|

ثمانون في المائة من الجزائريين في قطيعة كاملة مع منظومة الحكم

برلمان فاقد للشرعية لا يمكنه ضمان  استمرارية الدولة الوطنية

فاروق.ل. بن زعيم -ألجيريا ووتش-08-07-2026

 جاءت نتائج المشاركة في آخر اقتراع تشريعي عرفته الجزائر في نهاية الأسبوع الماضي ليؤكد ما سبق و أن أشار إليه محرر مقال « ألجيريا ووتش »  من  غياب أي  اهتمام شعبي بالحدث،  و برفض شامل  للمسار الذي فرضته السلطة على الجزائريات          و الجزائريين منذ 12 ديسمبر 2019، فالحراك الشعبي كان واضحا في مطلبه الوحيد وهو التغيير الشامل  للمنظومة  السياسية    و لقواعد ممارسة الحكم  قبل الذهاب لأي مسار انتخابي

لم تتعد نسبة المشاركة في هذا الاقتراع  الأخير نسبة  20 بالمائة من عدد المسجلين في القوائم الانتخابية، و ما يقارب مليون صوت من الأصوات المعبر عنها كان  كانت ملغاة ، وهي كلها مؤشرات تؤكد أن هذه  النسبة هي  أضعف نسبة مشاركة انتخابية عرفتها الجزائر منذ استقلالها عام 1962

و إذا ما  عدنا حتى لنسب المشاركة الانتخابية -المعلنة من قبل السلطة و التي  تكون مضخمة  أكثر  حسب العديد من المراقبين- منذ الحراك الشعبي إلى اليوم، فإننا نرى استمرارا للرفض الشعبي لهذا الاقتراع بعدما تأكد الجزائريات و الجزائريين  أن الانتخابات في الجزائر ليست لا آلية للتغيير و لا  تعطي أية شرعية لبناء  أي عقد سياسي، فالاقتراع الرئاسي في   ديسمبر 2019، تم  فيه الإعلان عن  نسبة التصويت 39%. في حين أعلن عن مشاركة  بنسبة 23,7  %، في استفتاء تعديل الدستور في الأول من نوفمبر 2020 ، أما نسبة  نسبة 30.20%،  فقد تم الإعلان عنها  في الاقتراع النيابي  في جوان 2021 ، بينما قالت السلطة أن المشاركة في الانتخابات المحلية في نهاية عام 2021 بلغت34% ، كما لم تتجاوز المشاركة في الاقتراع الرئاسي  في سبتمبر 2024 نسبة  %24

نسبة المشاركة في اقتراع 2 جويلية 2026 تؤكد  أن روح الحراك الشعبي لا زالت حاضرة و بأن المجتمع الجزائري مقتنع و أكثر من أي وقت مضى أن التغيير الشامل لمنظومة الحكم هي الطريق الوحيد حتى تعود للانتخابات معنى و تعود السياسة للفضاء العام، وهو ما تأكد مع  الاقتراع الأخير  حيث حضر فيه كل شيء إلا السياسة  

السلطة تهاجم الأجهزة الحزبية لتبرير الرفض الشعبي الشامل لسياساتها  

لم تنتظر السلطة حتى الإعلان الرسمي عن النتائج الأولية  لاقتراع 2 جويلية 2026، لتحرك أذرعها الإعلامية الخاصة و العمومية، في حملة منظمة ضد الأجهزة الحزبية و قياداتها لتبرير غياب الناخبين عن صناديق الاقتراع في داخل الجزائر و خارجها

الحملة بدأت مع يوميات « الخبر » و « لوسوار دالجيري »، و « الشروق اليومي »  و « الوطن »، فالصحيفة الأولى و الثانية تتحصلان يوميا بين 5 و 6 صفحات  إشهارية من الوكالة الوطنية للإشهار  منذ تولي  عبد المجيد تبون رئاسة الدولة، أما صحيفة « الشروق اليومي » التي  تحصل بين صفحتين إلى  3 صفحات إشهارية يوميا ، في حين أن الجريدة الثالثة تحصل بين  صفحة و نصف إلى صفحتين من الاشهار العمومي منذ عودة عمر بلهوشات لتسيير الجريدة  في فيفري 2026 بإيعاز من عبد المجيد  تبون  شخصيا الذي تربطه علاقة صداقة  شخصية به كما ربطتهم فضيحة مجمع الخليفة في عهد عبد العزيز بوتفليقة

فصحيفة « الخبر »،  حملت ما أسمته الأحزاب المسؤولية عن نسبة التصويت الضعيفة التي اعتبرت أنها « تعود إلى سبب رئيسي يتمثل في غياب القيادة الحزبية الحقيقية وانشغال كثير من مسؤولي الأحزاب بالتفاصيل الهامشية وإلقاء مسؤولية الإخفاق على مؤسسات الدولة، تارة بالحديث عن الغلق وتارة أخرى بالتدجين، بهدف تبرير العجز وتكريس الأمر الواقع والإبقاء على احتكار المسؤوليات داخل دوائر الامتيازات »، وهي إشارة واضحة لبداية مسار تغيير قيادات الأجهزة الحزبية بإيعاز من الأجهزة البيروقراطبية و الأمنية التابعة للسلطة

أما صحيفة « لوسوار دالجيري » فقد حصرت  ما أسمته إفلاس الأحزاب السياسية ، في الإخفاق السياسي على مستوى الخطاب و الذي أصبح لا يعبئ الرأي العام

 في حين أن   صحيفة « الشروق اليومي »  حاولت ايهام الرأي العام أن الناخبين لا يقاطعون سياسات السلطة و لكن يقاطعون الأحزاب السياسية. و ذهبت للقول أن السلطة لم تترشح حتى تتحمل مسؤولية العزوف، ورفع نسبة المشاركة يقع أخلاقياً وسياسياً واجتماعياً على عاتق الأحزاب حصرياً »

 هذا الدفاع المستميت عن السلطة في محاولة إخفاء إفلاسها الذي  يبصره  حتى الأعمى و لكن لا تراه صحيفة عمر بلهوشات، فصحيفة « الوطن » رأت أن نسبة   » المشاركة  توضح حقيقةٌ صارخة: انتخابات تُنذر بإفلاس الأحزاب السياسية التقليدية »

إفلاس تبون والمنظومة التي فرضته في المرادية عام   2019 يهدد الجزائر ككيان سياسي و قانوني

 الحملة الدعائية  للصحف الخاصة امتدت لكل وسائل الاعلام العمومية التي استدعت فيالق أساتذتها و صحافييها و محلليها لتشهد بنظافة الاقتراع و بأن الأحزاب السياسية هي المسؤولة عن العزوف الانتخابي، و هذه الحملة المنظمة كان الهدف منها التغطية على إخفاقات و إفلاس الرئيس تبون و المنظومة السياسية   و العسكرية التي فرضته في قصر المرادية في 12 ديسمبر 2019

 كما أن هذه الحملة تخفي حقائق كثيرة أخرى، و هي أن ضعف المشاركة لها علاقة بغياب السياسة و الممارسة السياسية، كما أ تغيب حقيقة مؤكدة و هي علاقة هذه الأحزاب و قياداتها بمختلف أجهزة السلطة و شبكاتها، كما أنها  تخفي حقيقة أن المسار الانتخابي ككل -من إعلان نية الترشح إلى إعلان النتائج-  تتحكم فيه الإدارة و البيروقراطية الأمنية للسلطة، فهي التي تختار النواب و المترشحين لمنافسة النواب، و هي التي تختار من ينافس هؤلاء النواب بشكل شكلي، كما أن السلطة هي التي تغلق أبواب الأجهزة الإعلامية على من تشاء و تفتحها على من تشاء

هذه الحملة الدعائية قديمة في بنيتها و جديدة في هوية من تدافع عنه، فقد كانت  أجهزة الدعاية الإعلامية تحت حكم بوتفليقة تقوم بالأمر نفسه لتبرير العزوف الانتخابي، فالرسالة كانت تقول: أن الجزائريين  لا يحبون الأحزاب السياسية و لا تهمهم الانتخابات التشريعية لأن الشعب يحب الرئيس ويحترمونه لأنه يقوم بكل شيء من أجلهم، و بأن الأحزاب و الحكومة و الوزراء لا يطبقون تعليمات الرئيس »، وهذا الأمر يتجدد اليوم تحت حكم تبون من الأجهزة الإعلامية ذاتها

الحقيقة أن السلطة السياسية  بواجهتها الحالية أو التي سبقتها، هي التي أوجدت هذه الأحزاب، و هذه الأحزاب في إطار تقسيم العمل  -تظهر أنها مختلفة في لسانها و خطابها-بين قياداتها الراهنة أو السابقة هي جزء من منظومة الحكم، وهي المنظومة التي  طالب الحراك الشعبي بتغيير آليات عملها ، وهو ما قابلته السلطة بالرفض و القمع و التشويه و حملات البروباغوندا الحاملة لكل تهم التخوين و العمالة للخارج

كما أن الحملة الدعائية ضد هذه  الأجهزة الحزبية–  التي هي كلها جزء من النظام ودون استثناء خاصة و أن حزب جبهة القوى الاشتراكية هو آخر هذه الأحزاب التي تم تطويعها و التطبيع معها-، تقع في مجموعة من التناقضات، فالرداءة الإعلامية          و الدعائية فشلت حتى في بناء خطاب دعائي يحمل الحد الأدنى من المنطق،  ، فكيف يمكن الحديث عن أحزاب سياسية  فاشلة و مفلسة  و عبد المجيد تبون  يتحدث عن أغلبية رئاسية مشكلة من الأحزاب ذاتها . فكيف يمكن بناء أغلبية رئاسية مشكلة من أحزاب فاشلة و مفلسة و لا يكون الرئيس الذي  يقودها فاشلا و مفلسا؟

الحقيقة الوحيدة اليوم بعد إقتراع 2 جويلية 2026، هو أن روح الحراك الشعبي لازالت حاضرة، لأن الحراك الشعبي حركة تاريخية عميقة حملت رسالة واضحة  لم تلتقطها قيادة أركان الجيش آنذاك لأنها لم تكن تملك لا أدوات الفهم، و لا نظافة اليد، و لا استقلالية القرار للمرور بالجزائر نحو عهد جديد من أجل و بناء براديغم آخر لممارسة الحكم يقطع مع  منطق القوة  و يتبنى قوة المنطق، ليبني جسور التوافق  بين كل الجزائريات و  الجزائريين، و قد استمر الوضع اليوم على ما هو عليه و بلغ التفسخ السياسي لنظام الحكم لدرجة أن الأمة الجزائرية في قطيعة شاملة مع كل منظومة الحكم بأجهزته الإعلامية و هياكله الحزبية و الجمعوية،     و إذا لم ينتبه أصحاب القرار اليوم أن رسالة 2 جويلية واضحة أن إفلاس عبد المجيد تبون هو جزء من فشل كلي لكل منظومة الحكم، و بأن إنقاذ الجزائر يمر عبر تغيير براديغم ممارسة الحكم للمحافظة على الجزائر ككيان سياسي و قانوني، لأن كل التحولات الدولية و الإفلاس السياسي في الداخل و العجز الاقتصادي و الهشاشة الاجتماعية تبين أنه لا يمكن انقاذ الجزائر مع استمرارية هذه المنظومة التي تهدد الدولة و الأمة ككل  

مجلس ضعيف في مهمة التمديد لرئيس أضعف…فهل يحدث التغيير أم  الانهيار ؟

كل المعطيات المتوفرة لحد الآن تؤكد ان البرلمان الحالي  بغرفتيه سيكلف بمهمة إيجاد صيغة ما لاستمرارية عبد المجيد تبون في قصر المرادية بعد انتهاء عهدته في سبتمبر 2029، إما بتطبيق الأحكام الانتقالية الواردة في آخر تعديل  دستوري وصفته الرئاسة بأنه تعديل تقني، أو بتعديل آخر ينقل العهدة الرئاسية من خمس سنوات إلى سبع سنوات بحجج مختلفة مع تطبيقها بأثر رجعي حتى يبقى تبون في الحكم إلى غاية سبتمبر 2031، أو ربما تعديل دستوري يعيد فتح العهدات الرئاسية ليبقى تبون في الحكم إلى غاية 2033حيث سيكون عمره 89 سنة

مهما تكن السيناريوهات التي ستتوافق عليها عصب و شبكات نظام الحكم، فإن الحقيقة الوحيدة أن اقتراع 2 جويلية أوجد مجلسا فاقدا للشرعية الشعبية و هشا من الناحية السياسية و سيزيد في هشاشة السلطة و قد يزيد من إضعاف الدولة أمام المجموعة الدولية، مما يزيد من المخاطر على استمرارية كيان الدولة في ظل تحولات دولية أقل ما يقال عنها أنها لا ترحم الدول  الضعيفة، و لا يمكن لأي دولة أن تضعف إلا بضعف مؤسساتها الدستورية غير الممثلة للشعب

و الشعب الجزائري واع بهذه التحديات لذلك فإن روح الحراك الشعبي تكون قد  أرسلت  رسالة قوية سلمية و صامتة يوم 2 جويلية الماضي عنوانها  …التغيير أو الانهيار