|

حرائق شمال شرق الجزائر  تكشف عن:افلاس اداري، انهيار اعلامي و غياب كلي لمنظومات الإنذار و الاجلاء

ألجيريا ووتش31 أوت 2026

 -فاروق ل.بن زعيم

بعد مرور أكثر من 6 أيام  من اندلاع الحرائق من شرق بجاية إلى جيجل و تيزي وزو و سكيكدة و غيرها من المناطق ،  لا يزال الرأي العام لا يعرف العدد النهائي للضحايا من قتلى و جرحى، و لا يزال الجزائريات و الجزائريون  يطرحون  مجموعة من التساؤلات المغيبة في الخطاب الإعلامي و السياسي في الجزائر، هل يوجد نظام وطني  استباقي  للإنذار بمخاطر الحرائق؟  هل تملك الإدارة المركزية و المحلية خطة اجلاء في حالة وجود حريق او فيضانات أو زلازل؟ لماذا لا يوجد نظام  انذار و اخبار للسكان عن طريق الهواتف الخلوية لتنظيم اجلاء السكان لتفادي العدد المهول للقتلى؟  لماذا لم  تتشكل خلية وطنية لمتابعة الحرائق و للتواصل؟ وقبل هذا و ذاك لماذا لم تتعلم السلطات المركزية و المحلية من آلاف بؤر الحرائق التي عرفتها الجزائر منذ 2021 على الأقل؟ و لماذا يعرف عدد القتلى جراء الحرائق ارتفاعا بهذا الشكل رغم كل ما سبق؟ 

هذه الأسئلة لا تطرح في الفضاء العمومي في الجزائر، لأن الإجابة عنها قد يفتح المجال إلى المساءلة، و المساءلة غير مطروحة لدى كل الأجهزة التنفيذية  في الجزائر فالذين يشعلون هذه المناصب بفعل الشبكات الزبائنية، يفعلون ما يشاؤون و لا يسألون عما يفعلون،  ، و لذلك يختصرون  كل ما يحدث على أنه قضاء و قدر أو أنه  نتيجة مؤامرة خارجية منفذة بأيادي داخلية.

من عام 2021 إلى 2026: إتلاف  أكثر من 170ألف هكتار و مئات القتلى

ففي عام 2021 وحده سجلت الجزائر ألف و186حريقا عبر35 ولاية أدت إلى إتلاف أكثر من 100ألف هكتار، و كانت أشد هذه الحرائق في ولاية تيزي وزو بأكثر من 200 قتيل في حين أن السلطات الرسمية لم تعلن إلا على العشرات منها

و في عام 2022 عرفت الجزائر أكثر من ألف و 607 بؤرة حريق، كانت الأشرس منها في شهر أوت خاصة في ولايات قالمة الطارف و سوق أهراس، حيث التهمت النيران أكثر من 28ألف هكتار، و خلفت أكثر من 43 قتيلا حسب ما أعلن رسميا، كما عرف عام 2023 حرائق مست أكثر من 27 ولاية ابرز و اخطر هذه الحرائق شهدتها بجاية و جيجل     و البويرة مست آلاف الهكتارات و عشرات الغابات، و مقتل أكثر من 34 شخصا من بينهم عسكريين. بالإضافة الى حرائق عام 2024 و 2025 و التي عرفت أضرارا مادية دون خسائر بشرية كبيرة.

يبرز تسلسل هذه  الكوارث  وفي  في كل مرة،  عن ضعف وسائل إدارة المياه والغابات و التي لا يتم تداركها إلى الان.

حرائق 2026…من بني شبانة و بني موحلي  و بني ورثلان و بني معوش إلى شرق بجاية و جيجل          و سكيكدة

بدأت حرائق صيف 2026 من شهر جويلية مع حرائق شمال سطيف من بني موحلي و بني شبانة و بني ورثلان إلى قرى بني معوش جنوب بجاية، حرائق  أتلفت فيها  مئات الهكتارات من حقول التين و الزيتون و الغابات مع تسجيل بعض الوفيات، لتأتي حرائق اوت من شرق بجاية و تيزي وزو  الى جيجل و سكيكدة، مع تسجيل قتلى في كل هذه الولايات، رغم أن اثقل حصيلة و أكثر الخسائر عرفتها جيجل خاصة في برج الطهر و الجمعة بني حبيبي، و في  الناطور، و في بوالبلوط و الميلية و غيرها من القرى و المداشر التي تحولت في ساعات قليلة إلى مناطق متفحمة، انتهت فيها الحياة للبشر و الشجر بل و حتى الحجر.

أمام خطورة هذه الحرائق و العدد الكبير للقتلى حسبما نشره الكثير من مواطني هذه المناطق وهم يعزون العائلات المتضررة، توقفت السلطة التنفيذية عند رقم 12 ضحية في كل من جيجل و بجاية و تيزي وزو، رغم أن مصالح رئاسة الجمهورية تعرف أن أحد اطاراتها فقد  لوحده أكثر من 18 فردا من عائلته في قرية واحدة من قرى جيجل، و قد تسابق عشرات الصحفيين من زملائه السابقين  لتقديم التعزية له و هم يرددون عدد الضحايا الذين فقدهم جراء الحريق. 

فلماذا تبنت السلطة استراتيجية التعتيم على عدد  الضحايا؟ ألم يكن جديرا تنصيب لجنة أزمة يكون وزير الصحة ناطقا رسميا لها يعطي أرقام الجرحى و القتلى مع مرور ساعات تسيير الأزمة؟ و لماذا لم يتم استخدم متعاملي الهاتف النقال كوسيلة انذار و اخبار للسكان عن طريق الهواتف الخلوية لتنظيم اجلاء السكان لتفادي العدد المهول للقتلى؟

وسائل الاعلام : الحدث ليس الحريق و لا ضحايا الحريق بل زيارة الوزير بأمر من الرئيس…

غابت مهنة  الصحافة و حضرت الدعاية  

برزت استراتيجية الاتصال الحكومية في هذه الأزمة من تغطية وسائل الاعلام العمومية و الخاصة على حد سواء، و التي مارست التعتيم، و سمحت لنفسها بممارسة الدعاية لشخص الرئيس على جثامين محروقة دفنت في مقابر جماعية بقرار سياسي اثار استياء عائلات الضحايا حسب الكثير من الروايات المتواترة من أقارب الضحايا.

كل وسائل الاعلام في أخبارها و نشراتها جعلت  الحدث ليس  في الحريق و لا في  ضحايا الحريق بل  في زيارة  الوزير الأول ووزرائه بأمر من الرئيس… و تشديد كل هذه الوسائل على ذلك يوضح جديا أن مهنة  الصحافة تعيش أسوأ عهدها منذ بداية الصحافة في الجزائر.

فالقنوات الاذاعية و التلفزيونية و  الصحف المكتوبة و الإلكترونية لم تبث و لم تنشر أي ربورتاج يسمع صوت الضحايا   و المتضررين من هذه الحرائق ، و لم يتابع المشاهد أو المستمع أو القارئ أي بورتريه حول عون من أعوان الحماية، أو ضحية من ضحايا الحرائق، و لا أي قالب من القوالب الصحفية التي تقوم على القص و الحكي و الاخبار و الاستقصاء          و التحليل و التعليق، فكل ما تم لم يخرج عن نطاق الدعاية لشخص الرئيس، رغم أن كل ما حدث و يحدث يبين أن الجزائر تعيش افلاسا اداريا، و  انهيارا اعلاميا و غياب كليا لمنظومة انذار مسبق للحرائق  و خطة اجلاء لتفادي الضحايا.

لكن في الواقع، بالنسبة لكل شخص، كل ما حدث ويستمر في الحدوث هو في الأساس دليل على فشل إداري كامل وصارخ. الانهيار الإعلامي المقترن بالغياب التام لأنظمة الرصد والتنبيه المبكر للحرائق وغياب خطط إخلاء السكان يشكل صورة غير مشرفة لسلطة مستبدة عاجزة ومترهلة ، بعيدة جداً عن توقعات المجتمع.

 وهو وضع فهمه الجزائريات و الجزائريون، لذلك حولوا شبكات التواصل الاجتماعي لأدوات تنظيم قوافل المساعدات لكل المناطق المتضررة، فقوافل التضامن انطلقت  من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب،  من تمنراست إلى تيزي وزو ومن تلمسان إلى تبسة، و التي صنعت صور التضامن الشعبي وهي تواجه  كل مظاهر الإفلاس الرسمي.